الاخبار: فؤاد إبراهيم
وعلى غير ما وعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب ناخبيه بأنه رجل سلام وأن مهمته المركزية بعد الفوز تبدأ بإنهاء الحروب وإغلاق بؤر الصراع في العالم، فإن موجة جنون بدأت منذ وصوله إلى البيت الأبيض ومعه فريق من الصهيونية المسيحية الإنجيليكانيين والمهووسين بتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى» وفق «خطة» السلام بالقوة، ليلاقي نتنياهو وفريقه من أشرار الكيان الصهيوني من أمثال وزير الأمن القومي بن غفير، ووزير المالية سموتريتش. للتذكير، أعاد الأخير ما قاله بعض زملائه في الأيام الأولى للعدوان عن قطع الماء والكهرباء والطعام عن سكان قطاع غزّة، وأضاف إليه بأنه «من لم يمت برصاصنا يموت جوعاً».
ولم تختلف دعوة عميحاي إلياهو، اليميني الصهيوني المتطرّف، وزير التراث الإسرائيلي، في مطلع تشرين الثاني 2023 وكرر الدعوة في 24 كانون الثاني 2024، بإلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة عن دعوة السيناتور الجمهوري الأرعن ليندسي غراهام الذي ردّد الدعوة ذاتها في أيار 2024، بمطالبته تزويد إسرائيل بجميع القنابل التي تحتاج إليها لوقف الخطر الذي يهدّد الدولة اليهوديّة، مذكّراً بإلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي، الذي عدّه «قراراً صائباً».
تلك الثنائية المطبوعة بالتوحّش تحكم سلوك فريقي ترامب ونتنياهو، ونقصد به تَطبيع درجاتٍ عالية من العنف المُمنهج والتدمير الواسع النطاق أو الطويل الأمد، مع تحويله إلى سياسةٍ عادية أو ضرورية تحت لافتات الأمن القومي والدفاع الوقائي. وحين نسبغ على هذا الثنائي صفة التوحّش، فليس المقصود توصيفاً انفعالياً، بل توصيف لسلوك معسكر أو تيار أو حتى فريق حاكم يُبرمج العنف في شكله السادي كأداةٍ بنيوية في الحكم والسياسة الخارجية، ويُسنده بخطابٍ أخلاقي-قانوني يمنحه شرعية متكرّرة.
ومن الناحية التاريخية، صاغت أفكار «الاستثناء الأميركي» تصوراً رسولياً عن رسالةٍ تمدينيّة/تحريريّة تتيح توسيع النفوذ بالقوة «من أجل الخير». هذا الإرث تغذّيه قومية مدنيّة أخلاقية ترى ذاتها معياراً كونياً، ما يسهل تحويل الحروب إلى «جراحات أخلاقية» تُطهّر العالم من الشر.
في التفاصيل، يتجاور في التقاليد الأميركية تياران: ليبرالية حقوقية تُبشّر بالديموقراطية، وواقعية مصلحية تسعى إلى الهيمنة. تلاقُحهما يُنتج «ليبرالية إمبراطورية»: نشر مؤسسات السوق والانتخابات مع قبول عنفٍ تأسيسي لإعادة تشكيل دول/مجتمعات «عنيدة». هكذا تصبح «الهندسة السياسية» عن طريق القوة المفرطة مشروعاً أخلاقياً.
وضمن المدرسة الواقعية يُقرأ النظام الدولي كحالة فوضى تُغري القوى العظمى بالهيمنة و«الضربات الوقائية» لكسر تهديدات صاعدة. تُترجم هذه الرؤية إلى عقائد «الحرب الوقائية/الاستباقية» وبناء تفوّق عسكري دائم وتقويض أي ميزان ردع محتمل.
تراث الصهيونية، خصوصاً «التصحيحية» برمزها البارز زئيف جابوتنسكي، صاحب نظرية «الجدار الحديدي»، وهو عنوان مقاله المنشور باللغة الروسية سنة 1923، يقوم على فكرة جوهرية: إقناع الخصم (وهنا العرب) بعقم المقاومة عبر قوّةٍ ساحقة متواصلة، لا عبر تسوية مبكرة. وقد تبلورت الفكرة في عقيدة عملياتية باسم جزّ العشب (mowing the grass) أو «عقيدة الضاحية» نسبة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت منذ حرب تموز 2006، التي تُشرعن إلحاق دمار هائل في البنية التحتية المدنية وارتكاب جرائم قتل في السكان المدنيين (بيئة المقاومة) بذريعة الردع الشامل.
يتجاور في التقاليد الأميركية تياران: ليبرالية حقوقية تُبشّر بالديموقراطية، وواقعية مصلحية تسعى إلى الهيمنة. تلاقُحهما يُنتج «ليبرالية إمبراطورية»
في أدبيات الاستعمار الاستيطاني، الاستيطان «بنية لا حدث»؛ يقتضي تحويل الأرض والبشر إلى قابلين للإزاحة/الإخضاع. تتطابق هذه الرؤية مع مَيلٍ بنيوي إلى عنفٍ تأسيسي ثم «عنفٍ إدامي» (maintenance violence) لصيانة النظام وإدامته.
في الخلفيات الدينية لهذا التوحّش، يمتزج أحياناً خطاب ديني-رمزي (نصوص توراتية/نبوءات، أو تصور رسولي مدني) بواقعية القوة لإنتاج تبرير كاريزماتي للعنف بوصفه «منفذ إرادة تاريخ/قدر/وعد». هذا المزج يزيد صلابة اليقين الأخلاقي ويقلّص مساحة التردّد.
إنّ مبررات التوحّش وشرعنته متعددة وتراوح بين:
1- الأمننة (Securitization): وفق «مدرسة كوبنهاغن»، تتحول قضايا عادية إلى «تهديدٍ وجودي» عبر خطاب النُخب، ما يبيح إجراءات استثنائية خارج الرقابة المعتادة. تُستخدم كلمة السر: «أمن قومي»، فتُعلّق حقوق، وتُمدّد الحروب، وتُشرعن سياسات جماعية العقوبة.
2- حالة الاستثناء/الطوارئ: تُعلّق النُّظم الدستورية جزئياً أو كليّاً بذريعة طوارئ دائمة، فتتوسع صلاحيات السلطة التنفيذية، وتُطبّع أدوات الاعتقال والاستهداف خارج القضاء، ويعاد تعريف «العدو» بصورة مرنة، فيتحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
3- حرب إنقاص الخسائر والقوّة النظيفة: تروَّج تقنيات الحرب من بُعد (الدرون/الذكاء الاصطناعي/الأسلحة الدقيقة) على أنها «أخلاقية» لقلّة خسائر المهاجِم، ولكنّها تُخفض كلفة العنف سياسياً ونفسياً، فتزيد وتيرته وتوسّع رقعته. وتصبح الاستدامة العسكرية ممكنة بلا ثمن داخلي واضح. ومع ذلك، في حالة التوحّش الإسرائيلي بدا أن حدود القتل والدمار مفتوحة على أبشع أشكاله، إذ ظهر أن تقنيات «تقليل الخسائر» كانت عاجزة عن الحد من «هوس» القادة العسكريين الصهاينة بالقتل والانتقام والإبادة.
4- إعادة توصيف القانون الدولي: يُعاد تأويل مبادئ مشتركة وعامة كميثاق الأمم المتحدة/القانون الإنساني عبر توسعة هامش «الدفاع عن النفس» و«الملاحقات العابرة للحدود» و«الضرر المتناسب». يُمنح الأذى الواسع إطاراً قانونياً مرناً، فيما تصير المساءلة مسألةَ سردٍ وصورةٍ إعلامية.
5- صناعة الرأي العام: تُستخدم لغة تقنية وأرقام «نظيفة» وإحالات إلى «أهداف عالية القيمة»، وتُجزّأ الوقائع إلى «حوادث» مفصولة عن سياقها البنيوي. يتحوّل النقاش من «عدالة الحرب/السلم» إلى «كفاءة الضربة»، ومن «حقوق الضحايا» إلى «أخطاء فردية» أو «أضرار جانبية».
لناحية الأبعاد الإنسانية والأخلاقية، تسهّل قوالب «هم/نحن» تعليق الضوابط الأخلاقية نحو المدنيين؛ فتُصوَّر جماعات بكاملها كتهديدٍ فطري. يساعد «الانسلاخ الأخلاقي» على تبرير الأذى عبر ألفاظٍ تقنية تُبعد الفعل عن أثره البشري.
أمّا على مستوى الهيمنة والطاعة، فإن مقاييس «الهيمنة الاجتماعية» و«السلطوية اليمينية» تفسّر تقبّل تراتبيات صارمة وتفضيل «القوة الحاسمة». تُظهر تجارب ميلغرام/زيمباردو (وهي من أكثر التجارب جدلاً في علم النفس الاجتماعي) كيف تصوغ البنية المؤسسية سلوكاً عنيفاً لدى أشخاص عاديين تحت غطاء الطاعة والوظيفة. وقد أظهرت هذه التجارب مدى استعداد الأفراد لطاعة أوامر سلطة فوقية رغم تعارضها مع قناعاتهم ومصالحهم، وهذا ما يحاول أصحاب نزعة التوحّش فرضه بالقوة.
إدارة الخوف وتضخيم التهديد
تُظهر نظرية «إدارة الإرهاب» (Terror Management) أن التذكير بالتهديد الوجودي، حقاً أو متخيّلاً، يدفع الجماعات للاحتماء بهويّاتٍ متصلّبة وقادةٍ «حازمين» بل و«متوحشين»، وتفضيل سياسات قاسية ضد «الآخر» لتثبيت المعنى والأمان، وهذا ما يظهر بوضوح في تأييد جمهور عريض من الإسرائيليين لقادتهم المتوحّشين رغم تزايد موجات الغضب ضد سلوكهم على المستوى العالمي.
وهناك يصبح تبرير النظام مفهوماً، حيث يميل الأفراد إلى تبرير النظام القائم حتى لو كان ظالِماً، اتّقاءً لتنافرٍ معرفي. وتتكرّس «أساطير شرعية» لتفسّر «تفوّقنا وتخلّفهم»، وتحوّل العنف إلى مجرّد أداة «إدارة مخاطر» وليس جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
إنّ التفكير الجمعي و«التحيّز للتصعيد» يفسّران استمرار الحملات رغم الكلفة الأخلاقية/الإستراتيجية الواضحة: الاعتراف بالفشل أشدّ كلفةً نفسياً من المضيّ قدماً.
وحين تُحتَكَر القوة الساحقة، يغدو «التصعيد الدوري» وسيلة صيانةٍ للهيبة. تنشأ دورات عنف قصيرة-متكرّرة يُسوّق لها كـ«إدارة حرائق» بدل معالجة الأسباب البنيوية للصراع.
في كل الأحوال، يتعرّض القانون الإنساني لتآكلٍ بتوسيع الاستثناءات وتأويل «الدفاع عن النفس» عابراً الحدود. النتيجة: سوابق تُستعاد من قِبل قوى أخرى، وتراجع مكانة القانون لمصلحة «قانون القوة».
في المقابل، إنّ العنف الدوري يولّد مقاومات ويغذّي «دوامة الأمن». القمع الشامل يُنتج عنفاً مضاداً ذا طابع وجودي، فتنحسر مساحات التسوية العقلانية.
وحين تتمدّد الأجهزة الأمنية، تتطبّع المراقبة الشاملة، ويترسّخ «حكم الأمن»، ويُعاد ترتيب الأولويات العامة (تعليم/صحة/رفاه) لمصلحة الإنفاق العسكري. والنتيجة، تنشأ «ديموقراطية منخفضة الشدة»؛ أي، تمثيلاً، انتخابات بلا مساءلة حقيقية في ملفات الحرب.
تتضخّم صناعة الخبر الأمني، وتُقصى الأصوات النقدية عبر وصمها أو ملاحقتها. ينتشر «التكنوقراط الأخلاقي» الذي يُحوّل المأساة إلى جداول ومقاييس «دقّة» و«نِسب».
أمّا انعكاسات ذلك كله على النسيج الاجتماعي للمجتمعات المُستهدفة، فيبدأ بتخريب بنيوي طويل الأمد: تهجير قسري، أجيال من الصدمات المعقّدة (Complex Trauma)، تدمير منظومات المياه/الصحة/التعليم، وانكماش الاقتصاد السياسي إلى «اقتصاد نجاة».
في نهاية المطاف، فإنّ «التوحّش» في السياسات، كما في مثالي إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، ليس انحرافاً عابراً، بل مزيجٌ من عقائد قوة، وخطابات خلاص أخلاقي، وبُنى نفسية ومصلحية تجعل العنف وسيلة حكمٍ مستدامة. ولأنّ أطر تبريره قابلة للتكرار والعدوى، فإن كبحه يتطلب تفكيك شرعيته الخطابية والمؤسسية معاً، وإعادة توطين «الأمن» في تعريفٍ إنساني يسبق «الردع» ويحدّه.
كاتب من الجزيرة العربية

